أزمة الماء والكهرباء: فاتورة النساء الخفية
كتبت : خولة
الشبّح
في تمام الساعة
الثالثة ظهرا، وفي حَرّ الصيف الخانق بمدينة سوسة، تنطلق رنة المنبه لتوقظ أسماء
من نوم قصير. لا لتبدأ يومها العملي، بل لتملأ ما تيسر من الأواني قبل أن ينقطع الماء
مجددا في أي وقت.
لم تعد
الانقطاعات المتكررة للمياه والكهرباء في تونس مجرد إشكال تقني أو خلل ظرفي في
الخدمات العمومية، بل تحولت إلى معركة يومية شاقة للعيش بكرامة. وفي هذه المعركة،
لا يدفع الجميع الفاتورة ذاتها، إذ تقع الكلفة الأكبر على كاهل النساء اللواتي
يجدن أنفسهن أمام "عناء يومي صامت" تتضاعف فيها أعباء الرعاية والعمل
المنزلي غير مدفوع الأجر مع كل عطل في الشبكة.
عندما ينقطع
الماء... يبدأ عمل إضافي
تعاني أغلب
النساء منذ أيام من ارتباك كبير في جدول أعمالهن اليومي، ويزداد الأمر تعقيدات
بالنسبة للنساء العاملات اللاتي يجدن أنفسهن أمام ضغط مضاعف نتيجة الانقطاع المفاجئ
للماء إثر عودتهن من العمل وتعقيدات جديدة لأدوارهن داخل الأسرة تحديداً.
حيث تشير
بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة المنشورة سنة 2020 إلى أن النساء في تونس يقضين
21.94% من وقتهن في أعمال الرعاية والأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر، وهي أرقام
تعكس حقيقة الأعباء المنزلية، وهي نسبة تمثل أضعاف الوقت الذي يقضيه الرجال في ذلك.
وفي كثير من
المنازل يتحول انقطاع الماء إلى سلسلة من المهام الإضافية للمرأة، كتخزين المياه،
والبحث عن مصادر بديلة له، إضافة إلى إعادة جدولة الغسيل والتنظيف والطبخ. ويزداد
الأمر تعقيداً لضمان توفر المياه للأطفال وكبار السن والمرضى.
الكهرباء...
أكثر من مجرد إنارة
بالنسبة
للنساء، لا يقتصر تأثير انقطاع الكهرباء على توقف الإنارة والأجهزة المنزلية،
فالمسألة بالنسبة لهن أكثر تعقيداً؛ حيث تجد التونسيات أنفسهن إزاء إجهاد حراري
وتضاعف في عبء الأعمال، إذ يحول توقف التكييف والمراوح المنازل إلى "أفران
حرارية" ترفع الإجهاد الحراري والنفسي أثناء القيام بالمهام المنزلية.
كما يتأثر
التدبير المنزلي بالانقطاع المتكرر للكهرباء؛ حيث يؤدي تلف الأطعمة والمواد
الغذائية المخزنة في الثلاجات إلى تأثيرات موجعة على ميزانية العائلة وخاصة محدودة
الدخل. كما يفرض انقطاع الكهرباء أدواراً إضافية على النساء مرتبطة بإعداد الوجبات
الطازجة بشكل متكرر.
وتتعقد الأوضاع
أكثر في حالات الإجهاد الحراري للحوامل والمرضعات، حيث يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات
صحية وتأثيرات جانبية على صحة الطفل وحقه في الرضاعة.
كما تشير
دراسات أجرتها منظمة الصحة العالمية إلى أن قدرة النساء كبار السن على تنظيم حرارة
أجسادهن عبر التعرّق أقل من الرجال، وبالتالي فإن غياب التكييف والمراوح يجعلهن
أكثر عرضة لضربات الشمس والوفيات المرتبطة بالموجات الحرارية.
النساء
العاملات... خسارات مضاعفة
داخل معامل
النسيج بالساحل، اضطرت عديد المصانع أمام الانقطاع المتكرر إلى إيقاف العمل، وهو
ما سيكون له تبعات كبيرة على قطاع يُعرف بطاقته التشغيلية الكبيرة للنساء، إضافة
إلى التأثيرات الكبيرة على مواطن الشغل للنساء في عديد الصناعات والمؤسسات المنتجة
الأخرى.
وتمتد تأثيرات
الانقطاعات المتكررة على العمل الحر، وخاصة على الاستقلال الاقتصادي لصاحبات
المشاريع المنزلية والحرفيات وبائعات المأكولات التقليدية والعاملات في الخياطة
والتجميل والعاملات عن بعد.
فكل ساعة
انقطاع قد تعني توقف الإنتاج، أو تلف المواد الأولية، أو خسارة حرفاء، أو تأخير
الطلبات، وهي خسائر لا تظهر في الإحصاءات الرسمية، لكنها تؤثر مباشرة على الدخل.
وعندما ينقطع الكهرباء أو الماء، لا تتوقف الأجهزة فقط، بل تتعطل حياة آلاف النساء اللواتي حملن العبء الأكبر داخل الأسرة. وبينما تُحتسب خسائر المؤسسات بالأرقام، تبقى الساعات الإضافية التي تقضيها النساء في الرعاية والعمل المنزلي خارج الحسابات الاقتصادية، رغم أنها تمثل إحدى أكبر الكلف الاجتماعية غير المرئية. وبات من الضروري أن لا تقتصر الحلول على الجانب التقني فقط بل يجب أن تُبنى أيضًا على فهم آثارها المختلفة على النساء والرجال، حتى تصبح السياسات العمومية أكثر عدالة واستجابة لواقع المواطنين.
Commentaires
Enregistrer un commentaire