بين الرغبة والقدرة... لماذا يؤجل الشباب في تونس الزواج والإنجاب؟


كتبت: خولة شبح 


قد تبدو لك مسألة تراجع معدلات الخصوبة في بعض دول العالم ومن بينها تونس التي بلغت فيها 1.7 لكل مرأة مخيفة بعض الشيء  ولكنها تبدو طبيعية جدا في ظل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي يمر بها التونسي اليوم، وكشفت دراسة قدمها صندوق الأمم المتحدة للسكان اليوم بتونس العاصمة بمناسبة اليوم العالمي للسكان أن الرغبة في تكوين الأسرة والانجاب مازالت حاضرة لدى الشباب ولكن هذه التغيرات باتت تعيق تحول هذه الرغبة إلى واقع.


تونس أمام تحول ديمغرافي عميق

تأتي نتائج هذه الدراسة في سياق تونسي يشهد تحولات ديمغرافية لافتة، كشفت عنها نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024 الصادر عن المعهد الوطني للإحصاء. فقد أظهرت المعطيات دخول تونس مرحلة متقدمة من التحول الديمغرافي، مع ارتفاع نسبة كبار السن التي بلغت 16.9 بالمائة وتراجع وزن الفئات العمرية الأصغر حيث بلغت نسبة الأطفال دون سن 4 سنوات 5.86 بالمائة، إلى جانب تغير واضح في أنماط تكوين الأسر.

ولا تعني هذه المؤشرات أن المجتمع التونسي فقد رغبته في تكوين العائلات، بل تعكس تغير شروط تحقيق هذا الخيار. فخلف تراجع الولادات وتأخر سن الزواج توجد عوامل اقتصادية واجتماعية مرتبطة بواقع الشباب وقدرتهم على بناء مشروع حياة مستقر تستدعي التفكير في سياسات سكانية واجتماعية جديدة.

 

الاستقرار المالي... الشرط الأول لبناء الأسرة

تضع دراسة صندوق الأمم المتحدة للسكان العامل الاقتصادي في صدارة أسباب تأجيل الزواج والإنجاب. فقد اعتبر 81 بالمائة من المشاركين أن الاستقرار المالي شرط أساسي لاتخاذ قرار الزواج، بينما رأى 57 بالمائة أن تكاليف المعيشة والسكن تمثل أكبر العوائق أمام بناء أسرة.

وتنسجم هذه النتائج مع السياق التونسي، حيث لم يعد امتلاك دخل قار أو الحصول على سكن مجرد تحسين للظروف المعيشية، بل أصبح شرطاً مسبقاً للدخول في الحياة الأسرية. فالمشكلة لا تكمن فقط في توفر المساكن، بل في قدرة الشباب على الوصول إليها في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وانتشار العمل الهش. ورغم اعتماد تونس لمبادرات كالسكن الأول والكراء المملك إلا أن هذه البرامج لازالت تتطلب الكثير من الوقت بتحقق نتائج ملموسة على ذوي الدخل القار وسط مجتمع تشير المؤشرات إلى ارتفاع كبير في صفوف شبابه.

انخفاض الخصوبة... نتيجة لغياب الشروط لا غياب الرغبة

وبات عدم الاستقرار المادي للشباب أحد أهم الصعوبات الموضوعية التي تواجه الشباب في الانتقال إلى مرحلة الاستقلال الاقتصادي وتكوين الأسرة في تونس وفي العالم، حيث باتت قرارت تأخير الانجاب أو الاكتفاء بطفلين فقط مسألة مطروحة وبقوة داخل الأسر التونسية التي باتت تناقش المسألة بجدية لضمان الحد الأدنى المطلوب لرعاية الطفل وتعليمه. وتكشف الدراسة أن طفلين ما يزالان العدد المثالي للأسرة لدى غالبية الشباب، غير أن تحقيق هذا الطموح يرتبط بتوفر الاستقرار المالي بنسبة 88 بالمائة، والعمل المستقر بنسبة 87 بالمائة، والاستعداد النفسي والعاطفي بنسبة 85 بالمائة.

شباب متفائل... لكنه يعيش حالة عدم يقين

ورغم أن الدراسة الدولية تشير إلى أن ثلثي الشباب تقريباً ما يزالون يحملون نظرة إيجابية للمستقبل، فإن هذا التفاؤل يتعايش مع مخاوف متزايدة، خاصة تجاه الوضع الاقتصادي والتهديدات الاجتماعية.

وفي تونس، يترجم هذا الشعور من خلال واقع يعرف فيه الشباب صعوبات متزايدة في الوصول إلى عمل مستقر، وارتفاع تكاليف الحياة، وتراجع القدرة على التخطيط للمستقبل. فأصبح تأجيل الزواج والإنجاب استراتيجية للتكيف مع عدم اليقين، وليس بالضرورة اختياراً شخصياً.

النساء في قلب المعادلة

تكشف هذه التحولات أيضاً عن بعد جندري لا يمكن تجاهله. فالنساء يتحملن جانباً كبيراً من آثار تأجيل تكوين الأسرة، خاصة في ظل استمرار التحديات المرتبطة بالمسار المهني، والعمل غير المستقر، وضعف خدمات الرعاية وتقاسم الأعباء الأسرية.

فأي سياسة تهدف إلى معالجة التحولات الديمغرافية لا يمكن أن تنجح دون إدماج مقاربة المساواة بين النساء والرجال، ودون توفير شروط تسمح للنساء بتحقيق طموحاتهن المهنية والأسرية في الوقت نفسه.

سياسات عمومية لم تستوعب التحول بعد

وبقراءة دقيقة لنتائج دراسة صندوق الأمم المتحدة للسكان ومعطيات التعداد العام للسكان في تونس 2024 نكتشف الفجوة بين الواقع الاجتماعي المتغير والسياسات العمومية المعتمدة.

ففي الوقت الذي تشير فيه المؤشرات إلى تحول ديمغرافي عميق، ما تزال الاستجابات العمومية مجزأة، ولم تتحول بعد إلى رؤية شاملة تربط بين التشغيل والسكن والحماية الاجتماعية والصحة الإنجابية ودعم الأسر الجديدة.

ولم تعد الخطابات المحفزة للشباب من أجل تشجيع الزواج الانجاب هي الحل بل بات الوضع يتطلب قرارات واضحة مرتبطة بدعم هذه العوامل الاقتصادية والاجتماعية المحفزة. فالحق في تكوين أسرة يرتبط مباشرة بالحق في العمل اللائق، والسكن الكريم، والحماية الاجتماعية، والخدمات التي تساعد على تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والأسرية.

ولذلك بات من الضروري أن تتعامل تونس مع التحول الديمغرافي كواقع اجتماعي يستوجب مراجعة السياسات العمومية ويستجيب للتغيرات الحاصلة في تمثلات الشباب للعوامل المؤثرة في تأسيس عائلة ومهم أن تجيب على سؤال مهم هو ما الذي يجب القيام به حتى يصبح بناء الأسرة خيارا ممكنا للجميع؟ 

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

السلطة المالية داخل الأسرة: لماذا لا يكفي أن تعمل المرأة حتى تكون شريكة في القرار؟