السلطة المالية داخل الأسرة: لماذا لا يكفي أن تعمل المرأة حتى تكون شريكة في القرار؟

 

مقال : خولة شبح 


تعتبر المساواة المالية داخل الأسرة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية رغم كل التحول الاجتماعية والقانونية في تونس. فدخول النساء إلى سوق الشغل وارتفاع مساهمتهن في الإنفاق الأسري لم يؤديا بالضرورة إلى إعادة توزيع السلطة الاقتصادية داخل البيت أو إلى إرساء شراكة فعلية في اتخاذ القرار المالي.

ورغم أن المشهد يحيل إلى الحضور المميز للنساء في عديد القطاعات ومسكهن بزمام المبادرة الاقتصادية، غير أن الاستقلالية المالية لا تقاس فقط بامتلاك دخل، بل تمتد إلى القدرة على التحكم فيه والمشاركة في تحديد أولويات الإنفاق والإدخار والاستثمار. وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين المشاركة الاقتصادية والسلطة الاقتصادية.

موروث ثقافي يحدد من يملك القرار

كثيرة هي التصورات الاجتماعية التي تؤثر في اتخاذ القرارات المالية داخل الأسرة، ففي المناطق المحافظة وحتى الأقل محافظة يسند اختصاص القرارات المتعلقة بالسكن والاستثمارات والممتلكات للرجال، في حين يتم التعامل مع المساهمة المالية للنساء كمكمل أو دعم إضافي للعائلة مهما كانت قيمة هذه المساهمة.

وتتحول الاستقلالية المالية للمرأة في بعض الحالات إلى مصدر توتر داخل الأسرة، حيث ينظر إليها باعتبارها تهديدا للتوزيع التقليدي للأدوار والتي رسختها الأجيال المتعاقبة، وتبدأ محاولات تحجيم سلطة المرأة المالية ومحاولة حصر مساهمتها في إدارة المصاريف اليومية أو تلبية الحاجيات الأسرية المباشرة.

هشاشة العمل تضعف القدرة على التفاوض

تتضاعف هذه الإشكاليات عندما يتعلق الأمر بالنساء العاملات في القطاعات الهشة وغير المستقرة. فرغم مساهمة آلاف النساء في الاقتصاد الوطني، ما تزال ظروف العمل في العديد من القطاعات تحد من قدرتهن على تحقيق استقلالية مالية حقيقية.

وتكشف المعطيات التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء سنة 2025 استمرار الفجوة بين النساء والرجال في سوق الشغل. حيث بلغت نسبة البطالة لدى النساء 20.3 بالمائة مقابل 13.6 بالمائة لدى الرجال، فيما وصلت بطالة حاملات الشهائد العليا إلى 30.7 بالمائة.

ولازال ولوج النساء إلى العمل لم يتجاوز 30 بالمائة من العمال والعاملين النشطين والناشطات وفق احصائيات المعهد موفى سنة 2025، وتبدو هذه الهشاشة أكثر وضوحاً في القطاع الفلاحي، حيث تمثل النساء جزءاً أساسياً من اليد العاملة، لكنهن يواجهن أوضاعاً اجتماعية واقتصادية صعبة، حيث يعملن دون عقود مستقرة أو حماية اجتماعية، فيما لا تتجاوز نسبة المتمتعات بالتغطية الاجتماعية 12 بالمائة..

ورغم أن قانون الشغل التونسي ينص على المساواة في الأجر إلا أن  الفجوات يتم تسجيلها خلال الممارسة سواء بقياس تكافؤ الفرص أو بملاحظة الأجر والامتيازات التي يتمتع بها العاملون، وتبرز الفوارق في الأجور بشكل لافت، إذ تحصل العديد من العاملات الفلاحيات على أجور يومية منخفضة لا تتناسب مع حجم العمل المنجز، في ظل استمرار مشكلات النقل غير الآمن وغياب الحماية المهنية.

في مثل هذه الظروف، يصبح الحديث عن الشراكة المالية داخل الأسرة أكثر تعقيداً. فالمرأة التي تعمل في ظروف غير مستقرة أو بأجر محدود تجد نفسها منشغلة بتأمين الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، لا بالتفكير في المشاركة في رسم الخيارات المالية طويلة المدى داخل العائلة.

من النفاذ إلى العمل إلى النفاذ إلى القرار

ويعتبر اختزال التمكين الاقتصادي في توفير مواطن شغل للنساء والحد من نسبة البطالة في صفوفهن أحد الأخطاء مقاربة المعتمدة. فالتمكين الحقيقي لا يتحقق بمجرد حصول المرأة على وظيفة أو مصدر دخل، بل يبدأ عندما تمتلك القدرة على اتخاذ القرار بشأن مواردها المالية وحياتها الاقتصادية.

ويتطلب ذلك تعزيز الثقافة المالية لدى النساء والفتيات، وتوفير فرص عمل لائقة ومستقرة، وضمان الحماية الاجتماعية، إضافة إلى مراجعة التصورات الثقافية التي تربط السلطة الاقتصادية بجنس معين.

كما أن الأسرة نفسها تحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم الشراكة داخلها. فالعلاقات الأكثر توازناً ليست تلك التي يتحمل فيها طرف واحد مسؤولية الإنفاق، وإنما تلك التي تقوم على تقاسم المسؤوليات والقرارات والموارد بشكل عادل.

المساواة المالية شرط للعدالة الاجتماعية

ان وجود تفاوت على مستوى تقاسم المسؤوليات القرارات والموارد، يمثل عائقا أمام تحقق الانصاف والمساواة لتحقيق العدالة الاجتماعية، فالمساواة تصبح بذلك قضية عامة وليس قضية خاصة بالنساء فقط.

وعندما تمتلك النساء القدرة على الوصول إلى الموارد والتحكم فيها والمشاركة في إدارتها، فإن ذلك ينعكس مباشرة على رفاه الأسرة، وعلى تعليم الأطفال، وعلى الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع بأكمله.

لهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى الاستقلالية المالية للمرأة باعتبارها تهديداً للعائلة أو لتوزيع الأدوار داخل المجتمع، بل من المهم النظر إليها كخطوة ضرورية نحو بناء علاقات أكثر توازناً ومجتمع أكثر عدلاً، تكون فيه الشراكة الحقيقية أساساً للعيش المشترك لا مجرد شعارات سياسية.

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

بين الرغبة والقدرة... لماذا يؤجل الشباب في تونس الزواج والإنجاب؟